لأكثر من قرن، كررت البشرية نفس نسخة مأساة تيتانيك: اصطدمت سفينة ركاب تعتبر غير قابلة للغرق بجبل جليدي ليلة 14-15 أبريل 1912، وانشق هيكلها مثل علبة صفيح وغرقت السفينة في أقل من ثلاث ساعات، تاركة أكثر من 1500 ضحية في المياه المتجمدة لشمال المحيط الأطلسي.
بدت القصة واضحة، تكاد تكون دقيقة: حادث طبيعي، أخطاء بشرية بسيطة، وغرور الاعتقاد بأن التكنولوجيا قادرة على قهر المحيط. لكن في عام 2022، بعد 110 أعوام من غرق السفينة وعلى عمق يقارب 3800 متر، كشف قاع البحر عن شيء يُشكك في تلك الرواية الرسمية. كاميرا.
كاميرا نجت، رغم كل المنطق العلمي، من ضغط هائل، وتآكل الملح، ومرور الزمن بلا هوادة. ومعها، صور تجبرنا على إعادة النظر في تحذيرات تم تجاهلها، وقرارات خفية، وحقيقة ظلت مدفونة تحت أطنان من الماء لأكثر من قرن.

جاء هذا الاكتشاف خلال رحلة استكشافية واسعة النطاق لرسم الخرائط بقيادة شركتي ماجلان المحدودة وأتلانتيك برودكشنز، وهو مشروع يهدف إلى إنشاء أول “نسخة رقمية” كاملة لحطام السفينة. استكشفت فرق من المركبات التي يتم تشغيلها عن بعد (ROVs) كل ركن من أركان سفينة تايتانيك، والتقطت أكثر من 715000 صورة عالية الدقة لإعادة بناء السفينة بتقنية ثلاثية الأبعاد.
في وسط حقل الأنقاض، بين بقايا الأسقف المنهارة والممتلكات الشخصية المغطاة بالرواسب، رصدت إحدى المركبات الموجهة عن بُعد جسمًا مستطيلًا مدفونًا جزئيًا في الطين. في البداية، ظنوا أنه قطعة أثاث أو حقيبة مفقودة. ولكن مع تقريب الكاميرا، ظهر الشكل المميز: كاميرا من أوائل القرن العشرين، ربما من نوع كوداك أو كاميرا مماثلة ذات منفاخ، بغلافها الجلدي المقوى وأجزائها المعدنية التي لا تزال واضحة المعالم.

كانت عملية الاستعادة دقيقة للغاية. رُفع الجسم بعناية فائقة لمنعه من التفتت أثناء خروجه من منطقة الضغط العالي ودرجة الحرارة المنخفضة. وبمجرد وصوله إلى السطح، فتح الخبراء الحجرة المغلقة في مختبر مُحكم الضبط. وعلى عكس كل التوقعات، كانت بكرة الفيلم سليمة، بفضل حمايتها من البرد القارس وانعدام الأكسجين.
وقد أسفر هذا التطوير، الذي تم باستخدام تقنيات رقمية وكيميائية معدلة، عن سلسلة من الصور التي أثارت جدلاً منذ تحليلها الأولي.

رغم تدهور الصور بفعل الزمن والتعرض المطول لمياه البحر المالحة، إلا أنها تُظهر مشاهد لا تتوافق مع التسلسل الزمني المتعارف عليه. إحدى الصور، التي يُفترض أنها التُقطت من سطح السفينة المخصص للدرجة الأولى قبل دقائق من الاصطدام، تُظهر أفق الليل. في الخلفية، تظهر كتلة بيضاء طويلة بوضوح غير معتاد في ذلك الوقت: إنه جبل الجليد، لكنه أقرب بكثير مما زعم المراقبون رؤيته.
تشير الصورة إلى أن الجسم كان مرئياً لعدة دقائق قبل الاصطدام، وهو ما يتناقض مع الشهادة الرسمية التي تفيد بأن جبل الجليد ظهر “فجأة” من الظلام.
يُظهر مشهد آخر جسر القيادة في اللحظات التي سبقت الاصطدام. ويظهر القبطان إدوارد سميث والضابط الأول ميردوخ في نقاش متوتر على ما يبدو، مع وجود رسالة مكتوبة بخط اليد على الطاولة – ربما كانت إحدى تحذيرات الجليد العديدة التي وردت عبر الراديو في تلك الليلة. وتؤكد الوثائق التاريخية أن سفينة تايتانيك تلقت ستة تحذيرات جليد على الأقل بين 14 و14 أبريل، بما في ذلك تحذيرات من سفينتي ميسابا وكاليفورنيان، لكن لم يتم نقل أي منها إلى جسر القيادة بالسرعة اللازمة.
يبدو أن إحدى الصور تُظهر قطعة من الورق عليها كلمة “جبل جليدي” وإحداثيات تقريبية، مما يشير إلى أن الرسالة ربما وصلت، ولكن تم تجاهلها أو التقليل من شأنها لصالح الحفاظ على السرعة القياسية باتجاه نيويورك.
لعلّ أكثر الصور إثارةً للقلق هي تلك التي التُقطت داخل السفينة بعد الاصطدام. تُظهر صورة من صالة الدرجة الأولى الفخمة ركابًا ما زالوا هادئين، بعضهم يلعب الورق أو يتحدث، بينما بدأت المياه تتسرب عبر الطوابق السفلية. يُعزز هذا الانتقادات التاريخية الموجهة لبطء عملية الإخلاء ونقص المعلومات الواضحة المُقدمة لركاب الدرجة الثالثة.
لقطة أخرى، ضبابية ولكنها مثيرة، تلتقط مجموعة من أفراد الطاقم بالقرب من فتحة شحن، وهم يحاولون على ما يبدو إغلاق الأبواب المحكمة الإغلاق التي لم تعد تستجيب، وهو عيب هيكلي قلل مصممو السفينة من شأنه في الاختبارات.
يشير خبراء مستقلون قاموا بمراجعة الصور إلى تفاصيل توحي بوجود أخطاء خفية. فقد أظهر الفولاذ المستخدم في هيكل السفينة، والذي انكسر إلى صفائح طويلة بدلاً من أن ينكسر على شكل نجمة كما كان متوقعاً، علامات على هشاشة شديدة في درجات الحرارة المتجمدة في شمال المحيط الأطلسي، وهي مشكلة معروفة لم تعالجها شركة هارلاند آند وولف.
علاوة على ذلك، تكشف الصور عن مسامير ذات جودة أقل في أجزاء معينة من الهيكل، ربما بسبب توفير التكاليف أو الضغوط من أجل التسليم السريع لسفينة وايت ستار لاين الرئيسية.
أُثيرت تساؤلات حول صحة الكاميرا والصور. ويشير النقاد إلى أن بقاء فيلم التصوير لمدة 110 سنوات في ظل تلك الظروف أمرٌ شبه مستحيل، إذ كان من المفترض أن تتحلل الطبقة الحساسة للضوء تمامًا. مع ذلك، يجادل مؤيدو هذا الاكتشاف بأن البرودة المستمرة (حوالي 2 درجة مئوية)، والظلام الدامس، وانعدام الأكسجين، خلقت بيئة دقيقة استثنائية حافظت على المادة. ولا يزال التحليل الجنائي للفيلم جاريًا، بما في ذلك التأريخ بالكربون المشع ومقارنته بطبقات حساسة للضوء من عام 1912، لكن النتائج الأولية لم تستبعد أصله من تلك الفترة.
يتجاوز تأثير هذه الصور مجرد الفضول التاريخي، إذ أعادت فتح النقاشات حول مسؤولية الشركات، والإهمال في السلامة البحرية، وتكوين الأساطير الوطنية المحيطة بالمأساة. وتطالب منظمات أحفاد الضحايا والأكاديميون بنشر الصور كاملةً لإتاحة الفرصة لدراستها بشكل مستقل.
في غضون ذلك، تجنبت الحكومة البريطانية وشركة وايت ستار لاين (التي أصبحت الآن جزءًا من التكتلات الحديثة) التعليق الرسمي، واكتفت بالتذكير بأن تحقيقات عام 1912 قد حددت بالفعل الأسباب الرئيسية.
لقد نطق المحيط، الذي ظل صامتاً لمئة وعشر سنوات. الكاميرا التي انبثقت من قاع المحيط الأطلسي، والتي بدت وكأنها من المستحيل، لم تكشف الماضي فحسب، بل أعادت كتابته. إنها تحذر من هشاشة اليقينيات الرسمية، وتذكرنا بأنه تحت سطح أي مأساة عظيمة، تبقى الحقائق دائماً، تنتظر من ينقذها من الظلام.
لم تكن سفينة تايتانيك ضحية جبل جليدي فحسب، بل ربما كانت ضحية قرارات بشرية أعطت الأولوية للسرعة والمكانة والربح على حساب الحكمة. والآن، تتكشف تلك القرارات، مشهدًا تلو الآخر، في حقيقة لم يعد بالإمكان إخفاؤها.